محمد كرد علي
237
خطط الشام
السيرة مع الجند والرعية وظلمهم ، فكثر الدعاء عليه وثار به العسكر ، وأعانهم العامة فهرب منها ، فخربت دمشق وأعمالها وجلا عنها أهلها ، وهان عليهم مفارقة أملاكهم وسلوهم عن أوطانهم ، بما عانوه من ظلمه ، وخلت الأماكن من قاطنيها ، والغوطة من فلاحيها . ولما رحل المعلى عن دمشق اجتمعت المصامدة الفاطميون وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودي وغلت بها الأسعار حتى أكل الناس بعضهم بعضا ، ووقع الخلاف بين المصامدة وأحداث البلد ، وعرف أتسز ذلك فعاد إلى دمشق فحصرها ، فعدمت الأقوات وبيعت غرارة القمح إذا وجدت بأكثر من عشرين دينارا ، فسلموها إليه بالأمان وخطب بها للخليفة العباسي ، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين . وتغلب على أكثر الشام ومنع الأذان بحي على خير العمل ، ففرح أهلها فرحا عظيما ، وظلم أهلها وأساء السيرة فيهم . قال ابن عساكر : إن أتسز التركماني لما دخل دمشق وكان حاصرها دفعات ، أنزل جنوده دور الدمشقيين ، واعتقل من وجوههم جماعة ، وشمسهم بمرج راهط حتى افتدوا نفوسهم بمال أدوه له ، ورحل جماعة منهم عن البلد إلى طرابلس إلى أن أريحوا منه بعد . وقال ابن الأكفاني : نزل أتسز محاصرا لدمشق ثم انصرف عنها ، ثم عاد إلى منازلتها ، ثم رحل عنها ، ثم رجع إليها فحاصرها ، ثم إنه فتح البلد صلحا ، ودخلها هو وعسكره سنة 468 وسكن دار الإمارة وخطب بها للمقتدي العباسي ، وكتب إليه يذكر له تسليمها إليه ، وغلو الأسعار بها ، وموت أهلها ، وأن غرارة القمح بيعت بمائتي دينار مما لم يعهد مثله . وأن أتسز نظر في أمور دمشق بما يعود بصلاح أعمالها ، وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات فصلحت الأحوال ورخصت الأسعار . ولما فتح أتسز دمشق وأقام الخطبة العباسية طمعت نفسه في ملك مصر ، فسار ( 469 ) من دمشق فيمن استطاع من الأحداث والجند ورجع خائبا بعد أن قتل من جنده جملة كثيرة جدا ، ثم أقام بدمشق وجاءه التركمان من الروم ولم يستخدم غيرهم ، وعصى عليه الشام وأعيدت خطبة صاحب